أبو حامد الغزالي
45
تهافت الفلاسفة
وقد ألّف الغزالي في نقدهم وتفنيد آرائهم . وأغلب الظن أن كتاب « التهافت » ألف في هذه الفترة . * * * وجّه الغزالي وجهه شطر التعليمية وهم يقولون : إن العقل لا يؤمن عليه الغلط ، فلا يصح أخذ حقائق الدين عنه . وإلى هذا الحكم انتهى الغزالي عند امتحانه للفلاسفة ؛ فهم إذن في هذه النقطة متفقون . عماذا إذن يأخذون قضايا الدين في ثوبها اليقيني ؟ ! يأخذونها عن الإمام المعصوم الذي يتلقى عن اللّه . أحبب بهذا الإمام وبما يأتي عن طريقه . ولكن أين ذلك الإمام ، فتش عنه الغزالي طويلا فلم يجده ، وتبين أنهم فيه مخدوعون ، وأن هذا الإمام شخص خرافي لا حقيقة له في الأعيان ، فعاد أدراجه وكرّ راجعا ، بعد ما ألف كتبا ضدهم أوجعهم فيها نقدا وتفنيدا كما يقول هو . * * * بقيت رابعة الفرق ، بقي المتصوفة الذين يقولون بالكشف والمعاينة ، والاتصال بعالم الملكوت ، والأخذ عنه مباشرة ، والاطلاع على اللوح المحفوظ وما يحتويه من أسرار ، ولكن ما الطريق إلى الكشف والمعاينة ؟ ، أجابوه بأنها علم وعمل . مضى الغزالي يستوضحهم ويطبق على نفسه حتى أدت به الحال إلى أن « ترك هذا الجاه العريض ، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص ، والأمن المسلّم الصافي عن منازعة الخصوم » وخرج هائما على وجهه إلى الصحارى والقفار ، ذاهبا مرة إلى الشام ، وأخرى إلى الحجاز ، وثالثة إلى مصر . كل ذلك فرارا بنفسه من الناس ، وجريا وراء الخلوة ، تطبيقا لما أشار به عليه الصوفية ، الذين يرون أنّ أساس طريقتهم « قطع علائق القلب عن الدنيا ؛ بالتجافى عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى ، وذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال ، والهرب من الشواغل والعلائق ، بل يصير قلبه إلى حالة يستوى فيها وجود كل شئ وعدمه » . ومن تمام طريقتهم أيضا « أن تخلو بنفسك في زاوية ، تقتصر ، من العبادة